فصل: سورة الأحقاف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أنوار التنزيل وأسرار التأويل المشهور بـ «تفسير البيضاوي»



.تفسير الآيات (22- 29):

{وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)}
{وَخَلَقَ الله السموات والأرض بالحق} كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. {ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} عَطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل {ولتجزي}. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص ثواب وتضعيف عقاب، وتسمية ذلك ظلماً ولو فعله الله لم يكن منه ظلماً لأنه لو فعله غيره لكان ظلماً كالابتلاء والاختبار.
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده، وقرئ: {آلهة هواه} لأنه كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه. {وَأَضَلَّهُ الله} وخذله. {على عِلْمٍ} عالِماً بضلاله وفساد جوهر روحه. {وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات. {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة} فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، وقرأ حمزة والكسائي {غشوة}. {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله} من بعد إضلاله. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} وقرئ: {تتذكرون}.
{وَقَالُواْ مَا هِىَ} ما الحياة أو الحال. {إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا} التي نحن فيها. {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي نكون أمواتاً نطفاً وما قبلها ونحيا بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر} إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث أو كليهما. {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإِنكار لما لم يحسوا به.
{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ} واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له. {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} ما كان لهم متشبث يعارضونها به. {إِلاَّ أَنَّ قَالُوا أئْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ} وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم، أو على أسلوب قولهم.
تحية بَيْنَهمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ

فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً امتناعه مطلقاً.
{قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} على ما دلت عليه الحجج. {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ} فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مراراً، والوعد المصدق بالآيات دل على وقوعها، وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم لكن الحكمة اقتضت أن يعادوه يوم الجمع للجزاء.
{ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} لقلة تفكرهم وقصور نظرهم على ما يحسونه.
{وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض} تعميم للقدرة بعد تخصيصها. {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون} أي ويخسر يوم تقوم و{يَوْمَئِذٍ} بدل منه.
{وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة، أو باركة مستوفزة على الركب. وقرئ: {جاذية} أي جالسة على أطراف الأصابع لاستيفازهم. {كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها} صحيفة أعمالها. وقرأ يعقوب {كُلٌّ} على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان. {اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} محمول على القول.
{هذا كتابنا} أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم.. {يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق} يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان. {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} نستكتب الملائكة. {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أعمالكم.

.تفسير الآيات (30- 37):

{فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)}
{فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ في رَحْمَتِهِ} التي من جملتها الجنة. {ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين} الظاهر لخلوصه عن الشوائب.
{وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ} أي فيقال لهم ألم يأتكم رسلي {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ}، فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة. {فاستكبرتم} عن الإِيمان بها. {وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} عادتكم الإِجرام.
{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله} يحتمل الموعود به والمصدر. {حَقّ} كائن هو أو متعلقه لا محالة: {والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا} إفراد للمقصود، وقرأ حمزة بالنصب عطفاً على اسم إن. {قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة} أي شيء الساعة استغراباً لها. {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً} أصله نظن ظناً فأدخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظن ونفي ما عداه كأنه قال: ما نحن نظن ظناً، أو لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مبالغة ثم أكده بقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} أي لإِمكانه، ولعل ذلك قول بعضهم تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة.
{وَبَدَا لَهُمْ} ظهر لهم. {سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} على ما كانت عليه بأن عرفوا قبحها وعاينوا وخامة عاقبتها، أو جزاءها. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} وهو الجزاء.
{وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ} نترككم في العذاب ترك ما ينسى. {كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} كما تركتم عدته ولم تبالوا به، وإضافة لقاء إلى يوم إضافة المصدر إلى ظرفه. {وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين} يخلصونكم منها.
{ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً} استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها. {وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا} فحسبتم أن لا حياة سواها. {فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه لفوات أوانه.
{فَلِلَّهِ الحمد رَبّ السموات وَرَبّ الأرض رَبّ العالمين} إذا لكل نعمة منه ودال على كمال قدرته. {وَلَهُ الكبرياء في السموات والأرض} إذ ظهر فيها آثارها. {وَهُوَ العزيز} الذي لا يغلب. {الحكيم} فيما قدر وقضى فاحمدوه وكبروه وأطيعوا له. عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب».

.سورة الأحقاف:

مكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية.

.تفسير الآيات (1- 9):

{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)}
{حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم مَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق} إلا خلقاً ملتبساً بالحق وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم، والبعث للمجازاة على ما قررناه مراراً. {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة، أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدرة له. {والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ} من هول ذلك الوقت، ويجوز أن تكون {ما} مصدرية. {مُّعْرِضُونَ} لا يتفكرون فيه ولا يستعدون لحلوله.
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السموات} أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها، هل يعقل أن يكون لها في أنفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة. وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية. {ائتونى بكتاب مّن قَبْلِ هذا} من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد. {أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ} أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به. {إِن كُنتُمْ صادقين} في دعواكم، وهو إلزام بعدم ما يدل على ألوهيتهم بوجه ما نقلاً بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلاً، وقرئ: {إثارة} بالكسر أي مناظرة فإن المناظرة تثير المعاني، و{أثرة} أي شيء أوثرتم به وأثرة بالحركات الثلاث في الهمزة وسكون الثاء فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه والمكسورة بمعنى الأثرة والمضمومة اسم ما يؤثر.
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم. {إلى يَوْمِ القيامة} ما دامت الدنيا. {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غافلون} لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم.
{وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً} يضرونهم ولا ينفعونهم. {وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين} مكذبين بلسان الحال أو المقال. وقيل الضمير للعابدين وهو كقوله تعالى: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ} واضحات أو مبينات. {قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ} لأجله وفي شأنه، والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع {الذين كَفَرُواْ} موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة. {لَمَّا جَاءهُمْ} حينما جاءهم من غير نظر وتأمل. {هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهر بطلانه.
{أَمْ يَقُولُونَ افتراه} إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب.
{قُلْ إِنِ افتريته} على الفرض. {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً} أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترئ عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} تندفعون فيه من القدح في آياته. {كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإِنكار، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم، {وَهُوَ الغفور الرحيم} وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم.
{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل} بديعاً منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه، وهو الإِتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف. وقرئ بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع. {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب، و{لا} لتأكيد النفي المشتمل على إما يفعل بي {وَمَا} إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة. وقرئ: {يَفْعَلُ} أي يفعل الله. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ} لا أتجاوزه، وهو جواب عن اقتراحهم الإِخبار عما لم يوح إليه من الغيوب، أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين. {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} من عقاب الله. {مُّبِينٌ} بين الإِنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة.

.تفسير الآيات (10- 15):

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)}
{قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله} أي القرآن. {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} وقد كفرتم به، ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط وكذا الواو في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل} إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله، والشاهد هو عبد الله بن سلام وقيل موسى عليه الصلاة والسلام وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول عليه الصلاة والسلام. {على مِثْلِهِ} مثل القرآن وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة له، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله. {فَئَامَنَ} أي بالقرآن لما رآه من جنس الوحي مطابقاً للحق. {واستكبرتم} عن الإِيمان. {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين.
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} لأجلهم. {لَّوْ كَانَ} الإِيمان أو ما أتى به محمد عليه الصلاة والسلام. {خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} وهم سقاط إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة، وإنما قاله قريش وقيل بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار، أو اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه. {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم وقوله: {فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ} مسبب عنه وهو كقولهم: أساطير الأولين. {وَمِن قَبْلِهِ} وَمَن قَبل القرآن وهو خبر لقوله: {كِتَابُ موسى} ناصب لقوله: {إَمَامًا وَرَحْمَةً} على الحال. {وهذا كتاب مُّصَدّقٌ} لكتاب موسى أو لما بين يديه وقد قرئ به. {لّسَاناً عَرَبِيّاً} حال من ضمير {كِتَابٌ} في {مُّصَدّقُ} أو منه لتخصصه بالصفة، وعاملها معنى الإِشارة وفائدتها الإِشعار بالدلالة على أن كونه مصدقاً للتوراة كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله سبحانه وتعالى. وقيل مفعول {مُّصَدّقُ} أي يصدق ذا لسان عربي بإعجازه. {لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ} علة {مُّصَدّقُ}، وفيه ضمير الكتاب أو الله أو الرسول، ويؤيد الأخير قراءة نافع وابن عامر والبزي بخلاف عنه ويعقوب بالتاء {وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ} عطف على محله.
{إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} جَمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والإِستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحوق مكروه. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط.
{أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من اكتساب الفضائل العلمية والعملية، وخالدين حال من المستكن في أصحاب وجزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء.
{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} وقرأ الكوفيون {إحساناً}، وقرئ: {حَسَنًا} أي إيصاء {حَسَنًا}. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} ذات كره أو حملاً ذا كره وهو المشقة، وقرأ الحجازيان وأبو عمرو وهشام بالفتح وهما لغتان كالفُقُر والفَقُر. وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر. {وَحَمْلُهُ وفصاله} ومدة {حَمْلُهُ وفصاله}، والفصال الفطام ويدل عليه قراءة يعقوب {وفصله} أو وقته والمراد به الرضاع التام المنتهى به ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة، قال:
كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِل عِدَّةَ العُم ** رِ وَمَود إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ

{ثَلاَثُونَ شَهْراً} كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط منه الفصال حولان لقوله تعالى: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة} بقي ذلك وبه قال الأطباء ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما. {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قيل لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين. {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى} ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا. {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ} يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه. {وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه} نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعاً من الجنس يستجلب رضا الله عز وجل. {وَأَصْلِحْ لِى في ذُرّيَّتِى} واجعل لي الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم ونحوه قوله:
وَإِنْ تَعْتَذِرْ بالمَحل عَنْ ذِي ضُرُوعِهَا ** إِلَى الضَيْفِ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبهَا نَصْلي

{إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ} عما لا ترضاه أو يشغل عنك. {وَإِنّى مِنَ المسلمين} المخلصين لك.